الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

246

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهذا يعني أن المسلمين ما كانوا يأبهون بالخوف من خشية على مصالحهم أو على أنفسهم ، بل لكي لا يقع مبدأ الحق في دائرة الشك ويكون الانتصار الظاهري للكفار دليلا على حقانيتهم وهذا هو منهج الإنسان المؤمن الراسخ في إيمانه ، حيث أن جميع ما يقوم به ويضحي في سبيله لا لأجل نفسه ، بل لله سبحانه ، فهو مرتبط به وحده ، قاطع كل علاقة بما سواه ، طالب كل شئ لمرضاته . ويضيف في نهاية الآية : واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم . فقدرتك يا الله لا تقهر ، وحكمتك نافذة في كل شئ . إن هذه الجملة قد تكون إشارة لطلب المغفرة من الله سبحانه والعفو عن الزلل في حالة حصول الميل النفسي والحب والولاء لأعداء الله . وهذا درس لكل المسلمين كي يقتدوا بهؤلاء . وإذا ما وجد بينهم شخص منحرف ك‍ ( حاطب ) فليستغفروا ربهم ولينيبوا إليه . ومرة أخرى يؤكد سبحانه في آخر آية من هذه الآيات على نفس الأمر الذي ذكر في أول آية ، حيث يقول تعالى : لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ( 1 ) . لقد كانوا لنا أسوة ، ليس فقط في موقفهم ضد منهج الكفر وعبدة الأوثان ، بل هم أسوة لنا في الدعاء بين يدي البارئ عز وجل ، وقدوة لنا في طلب المغفرة منه كما استعرضت الآيات السابقة نماذج في ذلك . إن هذا الاقتداء في حقيقته يتمثل في الذين تعلقوا بالله سبحانه ، ونور الإيمان بالمبدأ والمعاد قلوبهم ، ونهجوا منهج الحق وتحركوا في طريقه . . وبدون شك فإن هذا التأسي والاقتداء يرجع نفعه إلى المسلمين أنفسهم قبل الآخرين ، لذا يضيف سبحانه في النهاية قوله : ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد .

--> 1 - قال بعض المفسرين : إن ( لمن ) في الآية أعلاه " بدل " عن ( لكم ) : ( تفسير الفخر الرازي ، وروح المعاني ، في نهاية هذه الآيات ) .